المثقف الوطني والدور المنشود - عصف ذهني | يمن فويس للأنباء

المثقف الوطني والدور المنشود - عصف ذهني

عادل الأحمدي
الاربعاء ، ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٠ الساعة ٠٩:٥٩ مساءً

 

المثقف الذي نعنيه ليس الذي قرأ بعض الكتب التي حصل عليها من ملحقيات السفارات ولا مثقفي الكازينوهات أو مثقفي العدوى أصدقاء نشطاء وناشطات المنظمات الدولية. المثقف الحقيقي ليس من قال له أكاديمي كهنوتي محنط ذات يوم "أنت مثقف"، أو من كتب سطرين وصدق نفسه. 

المثقف الحقيقي هو من يعرف تاريخ اليمن ويعرف من هو أسعد الكامل ومن هو أبو الحسن الهمداني ومن هو نشوان الحميري ويعرف البردوني والمقالح والزبيري والسلال ويعرف قيمة محمد اسماعيل العمراني ويعرف قيمة جار الله عمر وزيد مطيع دماج وماركس وعبدالناصر والرافعي وحسن الدعيس وباذيب والشنواح والشحاري وبعكر.

المثقف هو صاحب الفكرة والفكرة هي الدافع، والمثقف عندما تهاون مع السياسي، تهاون السياسي في ثوابت البلد، لأنه منح للأخير مبرراً نفسياً ووطنياً، كذلك المثقف هو الذي لا يتزحزح عن أرضية المبادئ، أياً كانت رياح السياسة.

 ومن سمات المثقف المتمكن أنه لا تغريه الأموال، ولا يهمه أن يمتلك الأصول المادية، بقدر أن كل همه هو أن الثقافة الصحيحة هي المنتشرة، ولا تنطلي الشائعات ولا ينجر إلى الخلافات والمعارك الجانبية.  (انا لا اوزع هنا صكوك وأنزعها من آخرين، هذي معايير لا يُختلف عليها في عرف مثقفي اليمن وليس في توصيفات الكتب المترجمة او مثقفي الطفرة). المثقف السبتمبري الاصيل هو الذي يعرف البعد العربي الحقيقي للإنسان اليمني والعكس.

 يذهب إلى المستقبل ثم يعود ليحذّر قومه، ويذهب إلى الماضي ثم يعود ليبصّر أبناء جيله. 

 إنه جوّاب العصور، وصياد البروق، بتعبير عبدالله البردوني، هو الذي عمره منذ آدم إلى اليوم، لأنه يعرف التاريخ، وهو الذي امتداده إلى اليابان وحتى كالفورنيا، لأنه يفكر ببلده في سياق عالم وخارطة. لا ينحاز لحزبه وإن كان ذا جدور حزبية، ناصرية أو إسلامية أو بعثية أو يسارية. 

هو الوحيد هو الذي يعلق في حلق الكهنوت. لا يستطيع الكهنوت أن يستهدفه لادراكه أن العالم سوف يتضامن معه. فلا مآخذ ضده من أي نوع. 

أعتقد أن الشرارة القادمة سيقودها المثقفون لا رجال الدين ولا الساسة ولا أحد. المثقفون هنا واردون بالمعنى الشامل: كتابا مهندسين مدرسين خطباء.. وليس فقط ممتهني الكتابة والادب والدراسات. إنهم منكوشو الشَعر الذين يحترقون ليستضيء غيرهم. وإن ما نعيشه اليوم هو الضريبة التي ندفعها جراء تغييب المثقف الحق. حصل نوع من التغييب المتعمد لكل رموز الثقافة الحقة، وأدى ذلك إلى رد فعل تقبلي سلبي من قبل هؤلاء المثقفين الذين كان عليهم ألا يرضخوا لمثل ذلك التغييب. 

لم يعد المثقف وحده اليوم من يعاني.. كان المثقف أكثر فئات الشعب فقراً، لكن الشعب أصبح اليوم كله فقيرا. وليس أمام المثقف إلا أن يكون قائداً ورائداً لهذه المرحلة. 

ومن واجبه أن ينتقد بشكل واضح الأشياء الخاطئة. عليه أن يحذر بأعلى صوته، ويقف بكل درجات الحكمة والشجاعة ضد كل المحاولات التي تؤدي إلى تزييف هوية المجتمع ومحاولة تزوير التاريخ.  إن المنشود منه اليوم، أن ينحاز لكل كلمة وطنية صادقة تقال، عليه أن يكتب القصيدة ويرسم اللوحة وعليه أن يفكر وأن ينظر وأن يؤلف وعليه أن يكتب. 

عليه اليوم أن يكون داعية أمل لهذا الشعب المقيد باليأس والإحباط نتيجة ما حل به.  على المثقف السبتمبري أن يشجع الناس، لأن الناس خائفون، وعليه أن يهوّن من الصورة المرعبة التي رُسمت للعدو، لأن العدو في حقيقة الأمر جبان ولص أكثر من كونه بطاشا جبارا.  مطلوب من المثقف اليوم أن يتدخل بين الأحزاب، وأن يعلو عليها جميعاً ويستنكر هذا السعار التعصبي الذي يؤخرنا. 

عليه أولاً وقبل كل ذلك، إدارك قيمة نفسه، وإذا أدرك قيمة نفسه عرف أنه لا يمكن أن يحتويه حزب أو يسكته ظالم أو يكون في إبط شيخ أو جنرال أو سفارة أو منظمة أو رجل أعمال.  عليه أن يكون قدوة ومثالا، وأن ينصف الوطنيين أمثاله، أن يتحدث عنهم ويتناقل مقولاتهم وأن يكون رمزاً للتواضع والإيثار والحب. 

على المثقف الوطني الحق، أن يزيل الحواجز التي صنعتها العقود السابقة بيننا وبين عثمان أبوماهر وبيننا وبين علي صبرة وبيننا وبين محمد عبدالقادر بامطرف، بيننا وبين محمد صالح العنتري وإدريس حنبلة وغيرهم.  عليه أن يطيل التأمل، ويخرج للناس حصيلة تأمله.. 

الناس تائهون، وليسوا متفرغين، بل هو المتفرغ. 

الناس ضائعون وليس ثمة من يتأمل.

خائفون وليس ثمة من يشجع.

وحيدون وليس ثمة من يؤنس. 

المثقف الحق، هو الذي يعيد للمرأة اعتبارها، ويعيد للفتاة اليمنية ثقتها بأقدريتها على الوصول الى كل منصة تقدير.

معوّل عليه أن يغوص في بطون الكتب ويستخرج منها الكنوز اللازمة لهذه المرحلة، لتكون شارات يُسترشد بها للوصول إلى الطريق السليم. 

إنه الناقد الموثوق الذي لا يتأثر بدعاية الشاشات المؤثرة العملاقة أو القنوات الممولة، هو الذي لديه أذن ناقذة يفحص فيها الغث من السمين ويميز التدليس من التأسيس.

وهو الذي يستطيع بقوة الحب أن يصنع المفاجأت. 

لديهثقة بأنه قادر، وأن الكلمة لها مفعولها الحتمي. ففي البدء كانت الكلمة.

لديه ثقة بقدرته على التأثير، حتى لو كان لوحده والناس كلهم على رأي آخر غير صائب، واثق أنه بقوة الحب يستطيع أن يوصل الناس إلى وضح الحقيقة. - الجزء الثاني بعد قليل. (ملخص ورقة عمل في ندوة للملتقى الثقافي اليمني 1 سبتمبر الجاري)

الحجر الصحفي في زمن الحوثي