في ذكرى تأسيس الجمهورية | يمن فويس للأنباء

في ذكرى تأسيس الجمهورية

طارق نجيب باشا
الأحد ، ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٠ الساعة ٠٩:٤٧ مساءً

الجمهورية راسخة ... رسوخ - جبال - شمسان وعيبان وصبر

تمر الذكرى 58 لثورة 26 سبتمبر الخالدة وبلدنا ما يزال يصارع أصحاب الفكر المتربص بأهداف هذه الثورة ومقاصدها العليا المتمثلة (بالجمهورية) التي أشعلت روح النضال وحددت الإطار الجامع الذي سعى من خلاله اليمنيين لإيجاد نظام حكم يطوي مع بدء إنطلاقته مئات الأعوام من حكم السلالات الرجعية ويفتتح حقبة جديدة في الرقعة اليمنية تنادي بإزالة ﺍﻟﻔﻮﺍﺭﻕ ﻭﺍﻻﻣﺘﻴﺎﺯﺍﺕ ﺑﻴﻦ ﺍﻟﻄﺒﻘﺎﺕ الإجتماعية - التي تشكلت إبان حقبة الأئمة على أسس سلالية وعرقية ومذهبية - ويسطر خلالها اليمنيين مرحلة يجتهد فيها نظامهم الجمهوري الوليد لرفع ﻣﺴﺘﻮﻯ ﺍﻟﺸﻌﺐ ﺇﻗﺘﺼﺎﺩﻳﺎ ﻭﺇﺟﺘﻤﺎﻋﻴﺎ ﻭﺳﻴﺎﺳﻴﺎً ﻭﺛﻘﺎﻓﻴﺎً أملاً بإنشاء مجتمع يمني ديمقراطي تعاوني يسوده العدل يمتلك بين الشعوب الأخرى مكانة تناظرية يَحترم من خلالها المواثيق الجامعة للأمم ويدعم بجهوده التشاركية مبدأ التعايش السلمي الإنساني.

لم تكن البدايات الجمهورية سهلة على اليمنيين فعدة ثورات أخمدت و محاولات أخرى أحبطت وأعوام طويلة من الصراعات، والفكر الجمهوري مع كل تحرك يماني متطلع نحو المستقبل كان يترسخ تدريجياً في عقول الشعب مشعلاً رايات الخلاص من حقبة ممالك الأئمة الكهنوتية التي دُونت في كتب التاريخ اليمني ومراجع التاريخ الإنساني مجردةً من العلوم والفنون و ملامح الحضارة، ودون ذكر لحكايا الخير والسلام أو أساطير المحبة والجمال التي تزين عادةً ميثولوجيا الحقبات الحضارية المختلفة، حقبة أفقرت الشعب وأمعنت في تجويعه وأمرضته وعزلته عن العالم وقمعت روحه الحضارية المتجذرة فجعلته نسياً منسياً بين الأمم فإبتعلت اليمنيين كثقب تاريخي أسود وإعتصرتهم فما كان منهم سوى السعي (للجمهورية) متشبثين بمبادئها كونها منعتقة من ثقل خزعبلات الماضي البائدة التي أرست مداميك حكم الأئمة حينها، ولقدرة المفهوم الجمهوري على جمع أطياف المجتمع اليمني الواسعة دون تميز أو إنتقاص من حق إنساني أو حرية عامة لأي فرد يحمل الهوية اليمنية.

إن الجمهورية بأعوامها التي تعدت نصف قرن لم تصل لكل ما كان يرمو له مؤسسيها ولا لتطلعات الأجداد فيها - وهذا إرهاص لا بد منه نتيجة للتحول الجذري في البنية السياسية والإجتماعية في اليمن- ولكنها بكل تأكيد أتت أكلها الرئيسية حريةً وحقوق وتحرراً من الإستبداد وأوجدت هوية وطنية جامعة بعيدة عن أسماء السلالات وجعلتنا نؤمن بالعلم ونتسابق للتنور، فإزدادت الجمهورية بذلك رسوخاً وإزداد تمسك اليمنيين بها نظاماً حاكماً يستمرون بالنضال في دربه سعياً للوصول إلى تطبيق معايير الجمهورية بشكل سليم ورسم تفاصيلها بشكل أدق وإزالة الملامح المشوهَة منها.

يمكن إستقراء مدى رسوخ (الجمهورية) في أوساط المجتمع عند ملاحظة قابليتهم للولوج في أي نقاش سياسي دون محددات أو محظورات -كملمح أساسي من ملامح الحرية المكتسبة بعهد الجمهورية- مبتعدين تماماً في ذات الوقت عن المساس بفكرة الجمهورية، فلا قبول جمعي لفتح نقاشات عبثية مرتبطة بذلك، وكذا عبر إجماع الفرقاء السياسيين اليمنيين بإختلاف مشاربهم وتوجهاتهم وإنتمائاتهم على تجنيب مفهوم الجمهورية ومبادئها ورموزها وأهدافها من النخر رغم إستفحال النزق السياسي والصراعات فيما بينهم، ولايشذ عن هذا الجمع سوى الثلة الواهمة بإستحقاق الحكم وفقاً للسلالة، لذلك فهؤلاء القلة لا يستطيعون المجاهرة بالقول بأنهم ضد (الجمهورية) لعلمهم بمدى تمسك اليمنيين بها، فيتظاهرون بحبها ويتلحفون بعَلمها ولكن أفعالهم الممتدة لعقود تظهر حقيقة تناقضهم، حيث عمدوا على تشويش مفهوم الجمهورية لدى المجتمع وتشويه مبادئها وإذكاء الخزعبلات البائدة عبر اللعب على أوتار الدين والعادات والتقاليد ساعيين لتكوين جمهورية هجينة يحكمونها متسيدين لا تملك من مبادئ النظام الجمهوري وأهدافه سوى الإسم وفقط، وما هذه الحرب إلا تجلي لهذا الأفعال المعبرة عن الصراع بين الأقلية الطامحة بالحكم بعيداً عن الفكر الجمهوري وبين الغالبية المؤمنة بالجمهورية مبادئاً وأهدافا،

إن لقرون الحكم الرجعي البائد الدور الأكبر في رسوخ الجمهورية في اليمن فالظلم والقهر والتسلط والتجبر الذي كان سائداً وقتهاً شكلت عوامل منطقية غرست في الوجدان بغضاً ومعاداة لما قبل الجمهورية وتشبثاً غير مرتبط بحقيقة النتائج والإنجازات للجمهورية، لذلك ورغم المعاناة وعسر الحياة وسوءات الواقع -جراء الصراع (الجمهوري - الإمامي) الذي تفتق حرباً شاملةً في الأعوام الأخيرة بين (اليمنيين من جهة والإماميين الجدد ومن هم على شاكلتهم من المؤمنيين بجمهورية الأنا والمصالح الشخصية من جهة أخرى) - إلا أن اليمنيون مستمرون بالنضال دون هوادة في درب الجمهورية لتفطنهم بأن جوهر الصراع هو المستقبل، وما يجري اليوم مؤقت والغد بنتائجه دائم، وليقينهم بأن شمس الجمهورية لا يمكن لها إلا أن تشرق باعثة الأمل بمستقبل يليق بنا وبنضالات الأجيال اليمنية المتعاقبة.

الحجر الصحفي في زمن الحوثي