ينتهون هم أيضا من باب مسخرة الاقدار بمشابهة اعتى خصومهم!!!!!

برفيسور: أيوب الحمادي
الخميس ، ٢٨ نوفمبر ٢٠١٩ الساعة ٠٩:٥٥ مساءً

قانون فرويد يقول ان من يهاجم و ينتقد و لو بدافع الاصلاح ينتهون هم أيضا من باب مسخرة الاقدار بمشابهة اعتى خصومهم في رفض الآخر و الدعوة لاستئصاله او ازدرائه, برغم انه يمكن طرح الافكارهم لتصل دون ازدراء. اصلاح المجتمعات اقل كلفة مما يطلب العلمانيون العرب.

و لإدراك ذلك ننظر للكنيسة, فقد كانت سلطة الكنيسة سلطة مقدسة, كونها تتحدث بتفويض رباني لا نقاش حوله. كانت سلطة رجال الكنيسة فوق الملك, كل ذلك جعل الملك فقط ملك عندما تكون الكنيسة باركت ذلك, مما جعلها اي الكنيسة تهيمن على الدين و الاقتصاد و السياسية و الاقطاع و الفقراء. كل ذلك انعكس على الديانة و جعل المسيحية ممثلة برجال الكنيسة تتحول إلى قوالب متسلطة على الامراء و الاقطاع و المجتمع من جهة و من جهة اخرى منعت حرية التفكير أو العلم و اعتبرت ذلك أمور شيطانية و صادرت الكتب و قتلت من يحاول ان يناقش علوم طبيعية او فلسفية, مما اوصل الإيمان المسيحي الى درجة مفزعة من التحجر, ففقد الروح الربانية كما يفهم المسيحي و تحول الدين بقدرة قادر بعهد الامبراطورية الرومانية المقدسة للشعوب الالمانية إلى وسيلة للسلطة و جمع الأموال الطائلة باصدار صكوك الغفران, فتملكت الكنيسة الاوقاف و القرار و اعلنت فوق ذلك الحروب المذهبية و التوسع باسم الرب. و كانت من تسلطهم بالسياسة ان تظل المملكة دون ملك كون الملك لازال طفل فتقوم الكنيسة بالتحكم بالشارد و الوارد الى ان يكبر الملك في احضانها. و اذا نظرت للشعوب فهم بحكم التوابع اي الشعوب فقيرة مريضة يتم تحويل ملكيتهم من اقطاعي الى اقطاعي او الى امير او الى محارب آخر بمباركة الكنيسة و برسم من الملك.

و لم توقف الامور هنا وانما وصلت الى الكرامة اللنسانية وقتها فكان الشخص يصعب عليه الزواج من امرأة دون ان تمر تلك المرأة في اول ليلة بالاقطاعي. فكان شيء طبيعي ان يراكم ذلك انحطاط في الكنيسة والاقطاع و سخط شعبي لمجتمع مكبوت, الذي لم يستطيع ان يجد بصيص كرامى وانعتاق وحرية. سخط شعبي لمجتمع مكبوت لم يستطيع يطالب بالقليل اي الاصلاح من طرف يمثل ان يتحدث باسم الرب برغم ان اكتشاف العالم و السفن قد انطلقت و تكدست الأموال في الكنيسة. ما سبق يظهر لك ان البيئة كانت مجهزة و لم يبقى الا صدفة اي غلطة ترتكبها الكنيسة تكون شرارة اشتعال المجتمع.

و كان الفضل الاول لدك سلطة الكنيسة يعود الى كاثوليكي الماني اسمه تيتزل يمكن تصور ذلك باليمني "بمشرف حوثي متعجرف" يجمع مجهود حربي على قولتنا للبابا في روم ببيع صكوك الغفران بالغصب للفقراء, اي اشتري صك ينفعك عندما تموت, او يقول ان ابوك يتعذب في النار عليك ان تعتقه منها او هناك معركة من اجل مملكة السماء. فهل هذا الوضع مواجد في البيئة الإسلامية لتوصيفه بالكهنوت الإسلامي. أعرف أنك سوف تقول واصل اريد اعرف ايش حصل. طيب اوصل لك كيف حدثت الصدفة. الصدفة اكتشفوا ان البابا يجمع المال ليس للرب كما يقول و انما ليبني اكبر كنيسة في العالم و لتحقيق طموحات شخصية له.

هنا ظهر الماني اخر في نفس الفترة من نفس مدرسة اللهوت و اسمه مارتن لوثر الالماني و هذا الشخص كان يعرف انه سوف يوقف ضد ارادة البابا ان وقف ضد مشرف البابا في جمع المجهود الحربي. لوتر رفض جمع المال من ممثلين البابا, رفض تصرفات الكنيسة كون الناس تعاني أكثر و كون صكوك الغفران غير منطقية و طلب من البابا ان يبني الكنيسة من ماله الخاص و دون الاستحواذ على اموال الفقراء و المشردين بصكوك غفران و ان البابا بهكذا تسويق للدين مجرد دجال او كهنوت بالمفهوم اليمني عندنا, اي ليس له حق في اصدار صكوك غفران.

و ما نفع لوتر لينجح في ثورته كان شخص الماني ايضا عاش قبله ب ١٠٠ سنة. هذا الشخص هو مخترع المطبعة و اسمه جوتنبرج و لولا اختراعه لم عرف احد بما يفكر او فكر به لوتر و كان تم محاكمته من الكنيسة و حرقه كونه زنديق . المطبعة مكنت لوثر من طبع وثيقته للتغيير بالآلاف من النسخ و توزيعها على الفقراء و الشباب الغاضب و انتشرت بين العامة و بدأت الامور تخرج على السيطرة و صار كل واحد من كل ثلاثة المان يمتلك وثيقة لوتر للتغيير بعدها بسنة. و هنا تم اصدار امر بمحكمة لوتر و لم ينفعه الا انتشار افكاره فكان صعب قتله دون محكمة صورية لكن كان هناك أمراء متعاطفين معه و طافشبن من الكنيسة و اردت الكنيسة ان يعتذر و يتطهر ولكن هيات منا الذلة كما نقول, و تم تهريب احد الامراء له من السجن و المحكمة. وبداء عهد صراع كون هناك أمراء يتوافقون مع لوتر وافكاره و الأمر اخذ ينتشر كونه وقف ضد البابا كاعلى سلطة و رفض الكهنوت و هو من مدرسة اللهوت اي فقيه دينيا, و لم يعرف لوتر ان بعد ١٠٠ سنة من ثورته سوف تندلع اعنف حرب دينية في اوروبا بين مؤيدي مارتن لوثر و معارضيه.

لم تستطع الكنيسة الكاثوليك احتواء دعوة لوثر و لا أتباعه من عروفوا كبروتستانت و كان عددهم يزيد مع الوقت, لذا قامت بين الطائفتين الكثير من الصراعات و الحروب. و بعد ٣ سنوت لم تظل ثورة لوتر داخل المانيا و انما ترجمت افكاره و وصلت فرنسا و صار هناك تيار لوتر البروستانتي ينتشر و كانت النتيجة سلسلة حروب دينية في فرنسا خلفت ٢ مليون قتيل و في فترة ١٥٧٠ و ١٥٧٢ كانت فرنسا في ذروة التوتر الديني بين الكاثوليك و الاقلية البروتستانت و شعر الملك بالخوف من النمو لتيار لوتر اي البرتستانت و اعطى امره للجيش و الشعب بقتل كل بروتستانتي تقع عينهم عليه. و كانت الكنائس تعلن ان هولاء شرذمة كفار لا يؤمنون بالمسيح و تم ذبح ما يقارب من ٣٠ الف طفل و امرأة و رجل في ايام لانهم كفار من اجل المسيح. لم ينتهي هنا الامر لاسيما و الايام, التي لحقت ذلك شهدت مذابح في فرنسا و لم تمت فكرة لوتر و تقبلت فرنسا بعد صراع مرير حرية العقيدة بعد المذابح لكن فقط لفترة .

و لم نتوقف هنا للنظر الى بقية القصة ففي المانيا كانت حرب ال ٣٠ عام بين الكاثوليك و البروتستانت و راح ضحيتها ٨ مليون شخص و خلفت دمار واسع و انخفض سكان المانيا بمعدل الثلث. و ظن الكثير ان هذه هي اخر الحروب الدينية, التي كانت الكنيسة الكاثوليكية محركها و لم يستمر الوقت طويل الا و اعاد الملك لويس الرابع عشر اوروبا للصراع و الاضطهاد و امر بتدمير كنائس البرتستانت و اغلاق مدارسهم و اعتبار زيجاتهم باطلة, و هنا كان القدر مع تفجير الثورة الفرنسية و مع تفجير الثورة الفرنسية اشتعل عصر التنوير و تجذرت مبادئ العلمانية و في عام ٢٠١٦ قدم البابا فرانسيس اعتذارًا رسمي للمسيحيين البروتستانت عن الجرائم, التي ارتكبتها بحقهم الغالبية الكاثوليكية قبل خمسة قرون. طيب ياخي هلكتني بالتاريخ و اريد اعرف اين تريد تصل؟

الذي اريد ان اقوله لك بهذا السرد السريع, ان العلمانية ظهرت في الغرب لضرورية في مجتمع كانت السلطة الدينية تمارس الحكم باسم الرب بمفهوم شامل اي كانت توجد اشكاليات لا توجد عندنا و ان مقارنة الاسلام بكهنوت الكنيسة بعصور الظلام ايضا بعيد جدا عن الواقع كون البيئة مختلفة تماما, والافكار ايضا, و الهيكل الديني, و القيم, و مصاريف انفاق المال, و حتى ترابط المجتمع, و تكامل الدين بحياة اتباعه و غير ذلك.

ايضا مهاجمة الاسلام و التشكيك فيه كدين و حضارة و تاريخ و دون ان تفهم حلاقاته ولاسياقها و فوق ذلك تقارن حياة من سبق بمقاييس اليوم غير منطقي لاسيما ف لوتر عندما وقف ضد الكهنوت الديني عرف مكونات المجتمع و استمال الكل اليه, الامراء و الفقراء و الفلاحين اليه, كان هو اساسا أستاذ اللاهوت متمكن و مقنع و مثالي و متزن. لم يهاجم جوهر الدين كمعتقد و انما ساهم في تغييرات عميقة في المجتمع بهداف الاصلاح وليس الهدم. فكان الاصلاح الديني و بعدها السياسي اساس بناء الفكر التنويري. و اذا اعتبرت ان عصر التنوير هو ما اوصل اوروبا الى ما هي عليه فذلك غير دقيق, اذا يجب ان نفهم انه سبق بعصر العقلانية و قبله ذلك بالنهضة و الاصلاح الديني و السياسي اي تراكم.

الحقيقة بلا رتوش