أمنيات من عدن .. على وقع اتفاق الرياض 

محمد عبدالله الصلاحي
الثلاثاء ، ٢٦ نوفمبر ٢٠١٩ الساعة ٠٧:٤١ صباحاً

يحمل اتفاق الرياض حلا سياسيا مرحليا لأزمة طارئة بين الحكومة اليمنية والمجلس الانتقالي الجنوبي، وترتيب الوضع الأمني والعسكري الناتج عن الخلاف، وله امتداد اقتصادي يمكن البناء عليه في رسم ملامح الوجه الاقتصادي الذي يجب أن تكون عليه عدن، وأمنيات كثيرة تأتي من الماضي المشرق للمدينة، مرورا بحاضرها البائس، إلى المستقبل الموعود.

بعد الاستقلال عام 1967 وتبوؤ الاشتراكيين حكم الجنوب، تعرضت عدن للكثير من مساوئ الحقبة الاشتراكية، ثم نالها أيضا بعد حرب 1994 نصيب وافر من التعطيل المتعمد وإفقادها أهميتها، ثم تضررت من انقلاب مليشيا الحوثي وما فعلته بها، وأخيرا كانت فترة ما بعد التحرير مكملة لكل المساوئ التي تعرضت لها عدن، فالفصائل المسلحة العديدة تحت مسميات المقاومة، والخلافات السياسية، والتجاذبات المناطقية أضرت كثيرا بالمدينة وهدمت أهميتها الاقتصادية.

تحررت عدن من سيطرة المليشيا الحوثية، بفضّل جهود أبطال المقاومة الجنوبية مسنودين بقوات التحالف العربي بقيادة السعودية، ولم يكن واقع ما بعد التحرير مقنعا، أو مثاليا لوصفها مدينة محررة، وعاصمة للشرعية. فالتجاذبات السياسية انعكست سلبا على المدينة سياسيا، واقتصاديا، وأمنيا، ومجتمعيا كذلك، وأفرزت انقساما حادا أدى لاحقا للاقتتال.

أدركت قيادة التحالف ممثلة بالمملكة العربية السعودية أن الأمر في عدن يحتاج لتقييم الخلل بشكل شامل، ثم تقويمه وإعادة الأمور إلى مسار صحيح لا تخرج عنه، فكان من تجليات هذا اتخاد عدة خطوات على نحو عاجل، أولاها إعادة تموضع قوات التحالف في عدن بقيادة سعودية، وثانيتها اتفاق الرياض الذي يتضمن معالجات سياسية وأمنية وعسكرية شاملة لآثار ما بعد الحرب وتحرير المدينة، وثالثتها مضاعفة عمل البرنامج السعودي لإعادة إعمار وتنمية اليمن، ورابعتها التهيئة لفتح السفارة السعودية من عدن، وهي معالجات مثالية للمشكلة الحالية من جوانب عدة عسكريا وسياسيا وتنمويا. ولعل في هذا نهاية لكل الآلام التي عاشتها عدن، وبداية لآمال جديدة.

عودة رئيس الحكومة، ومعه طاقم عمل وزاري خدمي يتأمل منه المجتمع في عدن وبقية المحافظات بدرجة أولى تطبيع الحياة، وتفعيل دور المؤسسات والإدارات الحكومية، وكذلك أيضا يؤمل من تعيين محافظ ومدير أمن لعدن، وهذا أمر لطالما كان محل صبر وانتظار وترقب الجميع في عدن، خصوصا أن التدهور الخدمي والأمني في عدن كان أكبر من قدرة القيادة المحلية والأمنية الحالية على حله، وفوق مستوى إمكانياتها.

تُمثّل عدن في موقعها الجغرافي أفضلية أمنية واقتصادية، يعمّ مردودها كل الجزيرة إذا ما أُحسن استغلالها بشكل أفضل، فهي البوابة الأولى لأمن الجزيرة العربية، وواجهة اقتصادية مثلى، تضيف زخما اقتصاديا لإزدهار المنطقة، وبإمكانها أن تشكل مع مدينة جدة توأمة اقتصادية، وجناحي تنمية موعودة لمنطقة الشريط الساحلي في البحر الأحمر، مع الامتداد البحري لهما في مدينة المستقبل "نيوم"، هكذا يفترض أن تكون عدن، وهذه أمنيات ليس من الصعب أن تتحقق.

عدن التي كانت منطلق لكبار البيوت التجارية، وقبلة الشركات والوكالات العالمية، تحولت لاحقا إلى بيئة طاردة لها، وأُفرغت خلال مراحل عديدة من الدعامة الأهم في بناء أي اقتصاد، دعامة الشركات الكبرى والبيوت التجارية، وازدهر فيها نشاط اقتصاد الحرب.

يتأمل الناس أن يعمل اتفاق الرياض على تحقيق أهم الأمنيات في وقتنا الحاضر، وهي أن تتعافى عدن مما لحق بها من سلوكيات ما بعد الحرب، وأن يمهد الأرضية المناسبة التي يمكن البناء عليها لمستقبل أفضل، فعدن مدينة لا تفتقر للمقومات الطبيعية، بل للقدرات البشرية التي تسخّر موقعها وتستغله بشكل أمثل.

* صحيفة مكة السعودية  

الحقيقة بلا رتوش