نبي بالوكالة!!

بلال الطيب
الخميس ، ٢٤ اكتوبر ٢٠١٩ الساعة ١٢:٢٦ صباحاً

«التجارة بالأديان هي التجارة الرائجة في المُجتمعات التي ينتشر فيها الجهل، فإن أردت التحكم في جاهل، عليك أن تُغلف كل باطل بغلاف ديني»، مُقولة خالدة قالها - قبل ثمانية قرون - الفيلسوف العربي الأكثر استنارة أبو الوليد محمد بن رشد، تنطبق أكثر ما تنطبق على كل دولة «ثيوقراطية» حكمت واستبدت باسم الدين، وأشركت السماء في صراعاتها، ولوثت الدين والسياسة معا.

دولة «الإمامة الزيدية» في اليمن واحدة من كل، إلا أنَّها الأسوأ والأطول عمراً؛ وجدت البيئة الخصبة التي تتفق وتطلعاتها، وبمعنى أصح فَصَّلَها مُؤسسها الأول «الهادي» يحيى بن الحسين لتتناسب وخصائص وطبائع سكان هذا البلد المِضياف، وهي حقيقة أكدها أيضاً الباحث محمد علي الشهاري بقوله أنَّ تلك الدولة «ليست دخيله على الواقع اليمني، وأنَّها إفرازٌ له لا أكثر».

لو تتبعنا سيرة ومسيرة «الهادي» يحيى لوجدنا العجب العجاب، حياة حافلة بالكذب، والتزييف، والتحريف، أتى بأحاديث وأحداث نسبها إلى الرسول الأعظم - صلى الله عليه وسلم - وما أنزل الله بها من سلطان، غَلَّف بها مَذهبه الإقصائي الذي انحرف به كثيراً عن المذهب «الزيدي» الأم، وجعل الإمامة فيه موازية للتوحيد، وواحدة من أصول العقيدة الخمسة، وحصرها بشقيها السياسي والديني في ذرية الحسن والحسين، وجعل لها «14» شَرطاً مُلزماً.

لعلي بن محمد بن عَبْدالله العلوي كتاب في سيرته، ألصق به صفات خارقة، وقال أنَّه كان في صباه يدخل السوق ويقول ما طعامكم هذا، فيقال حنطة، فيدخل يده في الوعاء فيأخذ ما في كفه، ويطحنه بيده ثم يخرجها، ويقول هذا دقيق، وأنَّه - أي «الهادي» - كان يعمد إلى القضيب من الحديد فيلويه على عنق خصمه، ثم يعاود إلى تسويته.

ونقل - ذات المؤرخ - مقولة نسبها لعلي بن أبي طالب، جاء فيها: «أيها الناس إنَّ الله بنا فتَح، وبنا ختم، أيها الناس، ما تمر من فتنة إلا وأنا أعرف سائقها وناعقها، فيخرج رجل من عترتي اسمه اسم نبي، يملأ الأرض عدلاً كما مُلأت جوراً، انتظروه في الأربع والثمانين ومائتين، في أول سنة صادرة، وأخرى واردة».

ونقل - أيضاً - عن «الهادي» يحيى قوله عن سبب خروجه إلى اليمن: «قبل خروجي بليلة رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المنام وهو يقول لي: يا يحيى مالك مُتثاقلاً عن الخروج، انهض فمُرهم فلينقوا ما على هذه الأرض من الأوساخ، فعلمتُ أنَّه صلى الله عليه وسلم لم يرد بذلك غير المعاصي التي على الأرض من العباد، فنهضت وخرجت إلى اليمن». 

كما تتناقل بعض كُتب «الزيدية» مقولة منسوبة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - جاء فيها: «يخرج في هذا النهج - وأشار بيده إلى اليمن - رجل من ولدي اسمه يحيى، يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، يحيى الله به الحق، ويُميت به الباطل».

كان «الهادي» يحيى دائماً ما يشبه نفسه بالنبي الأعظم، واستحضار سيرته - صحيحها وغير الصحيح - فيما يتفق وتطلعاته السياسة، وقال قبل خروجه إلى اليمن: «والله لو كان معي ثلاثمائه وثلاثة عشر مؤمن، لا؛ بل لو كان معي خمسمائة - لأن تلك كانت فضيلة لرسول الله صلى الله عليه وسلم - لدست بها اليمن»، وقال أيضاً: «بمعونة الرحمن أملك أرضهم، وأذل فيه كل من يتجمع»، وحين استتب له الأمر خاطب أنصاره قائلاً: «والله لئن أطعتموني ما فقدتم من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلا شخصه»، جاعلاً من نفسه نبياً بالوكالة!!.

«كفار التأويل» في مذهب «الهادي» هم المُخالفون لتفسيره للنصوص الدينية التي هي باعتقاده مُلزمة بولاية «آل البيت»، على اعتبار أنَّهم الركن الثاني في التشريع، مُستدلاً بالحديث النبوي الذي ضعفه كثيرون: «تركت فيكم من إن تمسكتم به لن تظلوا بعدي أبدا، كتاب الله وعترتي»، وهو المدخل الذي تسلل به ومن خلاله للتحكم في مصائر الناس، وبموجبه صار كل من يخالفه كافر مُستباح الدم والمال.

خاض - تبعاً لذلك - حُروبه الجنونية ضد مُخالفيه، كفر، ثم قتل، وسبى، وأحرق، ودمر، ونفى، مبرراً تلك الأفعال الشنيعة بما فعله الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع يهود المدينة، وهي أفعال مُشينة لفقها مؤرخون متطرفون، ولفقها «الهادي» نفسه، ولو درسنا السيرة النبوية بتمعن، لأدركنا عظمة ومثالية النبي الإنسان، الذي أرسله الله رحمة للعالمين. 

وكما حُصرت النبوة في ذرية إبراهيم عليه السلام، حصر «الهادي» الإمامة في ذرية محمد - صلى الله عليه وسلم - رُغم أنَّ النبي الأعظم لم يُعقب، وقال: «فكانت النبوة والإمامة والوصية والملك في ولد إبراهيم صلى الله عليه، إلى أن بعث الله محمداً صلى الله عليه وعلى آله، فأفضت النبوة إليه، وختم الله الأنبياء به».

ولتأكيد هرطقاته تلك استدل بعدد من الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية، فسرها حسب هواه، وقال أنَّ الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: «كل بني أنثى ينتمون إلى أبيهم، إلا ابني فاطمة فأنا أبوهما، وعصبتهما»، في مخالفة صريحة لقوله تعالى: «أدعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله».

وأكد أنَّ ورثة الكتاب في قوله تعالى: «ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا»، هم: «محمد، وعلي، والحسن، والحسين، ومن أولدوه من الأخيار»، وأكد في موضع آخر: «وتثبت الإمامة للإمام، وتجب له من الأنام فيمن كان من أولئك - أي من البطنيين - فقد حكم الله له بذلك، رضي الخلق أم سخطوا».

وهكذا وباسم الدين المُزيف خدع «الهادي» يحيى أنصاره المُغفلين، وما يزال - للأسف الشديد - اليمن واليمنيون يكتوون بنار مذهبه التكفيري، ولأن الفكر الكهنوتي لا يجابه إلا بالفكر العقلاني، وجب علينا جميعاً نقد كل ما هو سلبي في موروثنا المُثقل بالدم والصراعات، وفضح وتعرية أرباب التجارة بالأديان، أينما كانوا، وحيثما حلوا، واستشعار أنَّ الله الرحمان الرحيم لا يمكن أن يعطينا - كما قال «ابن رشد» - عقولاً، ويعطينا شرائع مُخالفة لها.  

الحوثي والمواطن في اليمن