مآلات الأزمة الراهنة في اليمن

منيف الهلالي
السبت ، ١٦ مايو ٢٠١٥ الساعة ١٠:١٢ مساءً
وأعاصير الأسى تجتاح ما تبقى من يوميات "الهدنة" التي بدأت تتآكل من أطرافها، هناك سيناريوهات متعددة لمآلات الأحداث في اليمن، أوجدها الراهن بكل ضبابيته وآلامه، بعضها سوداوي والبعض الآخر فيه بصيص ضوء لا يكاد يرى بالعين المجردة.. سأحاول في هذه الزاوية الضيقة أن أضع تصوري المتواضع لقادم يتبلور في أفق متخم بدخان غاراتٍ قضت على البنية التحتية (العسكرية) لـ"صالح" ولم تقضِ على الميليشيات التي تنال من الوطن المثخن بالجراح.
 
في البداية هنالك مبادرات محلية وأخرى من خارج الحدود تحاول في مجملها أن تجد حلاً لنزيف الدم اليمني الذي استرخصه المتقاتلون على الكرسي، غير أنها، أو بالأحرى معظمها، يشترط قبل الخوض في أي نقاش عودة الحوثيين إلى جبال مران وتسليم أسلحتهم والقضاء سياسياً على الرئيس السابق "صالح"، كلٌ بطريقته وبحسب توصيفه. 
 
وحين نقف على هذين الشرطين أو البندين ـ سموهما كما شئتم ـ نجد أن الوقائع على الأرض تؤكد أن الحوثيين  لن يعودوا إلى جحورهم بعد كل ما وصلوا إليه، أو بتوصيف أدق ما أوصلهم إليه "صالح"، ولن يسلموا أسلحتهم مطلقاً، كون غايتهم، منذ تأسيس حركة الشباب المؤمن في عهد حسين الحوثي، هي الجهاد، وهم يعتقدون في كل حروبهم السابقة والحاضرة والمستقبلية أنهم في جهاد مع اليهود والأميركيين، حتى وإن كانت دباباتهم وعرباتهم المصفحة لا تصل إلى أولئك، بل تسحق بجنازيرها أجساد من يشاطرونهم التوحيد، ليس إلاّٰ؛ أضف إلى ذلك أن هناك دولة إقليمية تدفع بالحوثيين إلى هذا الجنون لأهداف يدركها الجميع ضمن مشروعها الكبير في المنطقة.
 
بالنسبة للرئيس السابق "صالح" هو الآخر لن يتزحزح عن السلطة التي عادت إليه بطريقة دراماتيكية مضرجة بالدم، إلاّ إلى مكان آخر لن يصل إليه دون حمامات من الدم وقوافل من الجثث الهامدة.. وفي نفس الوقت طيران التحالف بكل عدته وعتاده لن يحسم المعركة من الجو وإن قذف كل حمم الدنيا في وجه اليمن واليمنيين، ليس لشيء إلا لأن القصف الجوي لا يحسم الحروب إطلاقاً.
 
ما الحل إذن..؟
البعض يقول وبحماسة: لن يحسم المعركة فعلياً سوى التدخل البري لقوات التحالف، والتدخل البري في تصوري سيمرغ أنف التحالف في الوحل؛ إذ أن الجغرافيا اليمنية والقدرات القتالية لدى الميليشيات وبعض سرايا الجيش الموالي لصالح التي ستتحول تلقائياً إلى فصائل ميليشاوية تقاتل تحت يافطة مقاومة الاحتلال الأجنبي، وسترجح الكفة لصالحها لا محالة، وأنا هنا لم آتِ بشيء من عندي وإنما حسب خبراء عسكريين لهم باع طويل في تقييم مآلات الحروب.
 
إذن ما الخيارات الأخرى المتاحة..؟
أعتقد أن قوى التحالف، بقيادة المملكة العربية السعودية، ليس أمامها سوى ثلاثة خيارات:(جيش هادي، القبائل، الإصلاح)..
 
بالنسبة للخيار الأول، طبعاً كلنا يعلم أن الرئيس هادي لا يمتلك جيشاً وليس له قاعدة شعبية يتكئ عليها، خصوصاً في الجنوب، بدليل ما حصل لأبرز قياداته مع انطلاق شرارة المعارك على مشارف الجنوب، كيف أنهم تساقطوا وتم أسر البعض منهم بطريقة مذلة واجتياح المحافظات بكل سهولة ويسر، ودون مقاومة فعلية تذكر، إضافة إلى أن هناك من القيادات القريبة من هادي، والتي كنا نعول عليها في تغيير مسارات المعركة، باتت تقاتل جنباً إلى جنب مع الميليشيات الحوثية والقوات الموالية لصالح المساندة لهم كـــ عوض بن فريد العولقي، قائد محور شبوة، على سبيل المثال لا الحصر؛ وبالتالي فإن الرهان على ما تبقى من اللجان الشعبية "الموالية لهادي" التي يحاولون في الإعلام المناصر لــ"عاصفة الحزم"، "إعادة الأمل"، أن يطلقوا عليها تسمية الجيش النظامي- رهان خاسر ولن يحققوا شيئاً على الأرض، ولن يصمدوا طويلاً؛ خصوصاً حين تنحسر غارات التحالف، وقِلة الموالية لهادي؛ لأن ثمة لجاناً أخرى غير موالية لهادي تقاتل في عدن والضالع وستكشف عنها الأيام القادمة.
 
الخيار الثاني: حزب الإصلاح
والقارئ للأحداث يدرك أن بعض دول الخليج لا  تثق بالإصلاح، بل تذهب إلى اعتبار الإخوان المسلمين العدو الموازي للشيعة، ويعزز كلامي ظهور أصوات خليجية على وسائل الإعلام المختلفة تحذر من دعم القيادات العسكرية الموالية للإخوان المسلمين، كون الخطر الإخواني مشابهاً للخطر الشيعي, أو يتفوق عليه بعض الشيء - حسب تلك الأصوات.. وفي المقابل هناك أصوات أخرى، وإن كانت أقل حضوراً، تنادي بدعم الجناح العسكري المحسوب على الإصلاح؛ كونهم يشكلون قوة رادعة للنظام السابق، كما حدث في 2011، وإن تمكن هادي في السنوات الماضية من تمزيقهم بطريقة أو بأخرى بمقدور الجنرالات الذين كانوا يقودونهم في الماضي إعادة ترتيب صفوفهم لتشكيل قوة عسكرية ضاربة تعمل على دحر الحوثيين وتقليم مخالب الرئيس السابق؛ غير أن التباينات الخليجية في الموقف من الإخوان يقف عائقا أمام هذا الخيار.
 
الخيار الثالث: تجييش القبائل والميليشيات التي يعتقدون أنها بعيدة عن الإخوان المسلمين
 وهو الأقرب, حسب رأيي, من حيث التوافق بين قوى تحالف "عاصفة الحزم"، " إعادة الأمل"؛ كون هذا الخيار سيمنحهم القدرة في قادم الأيام على إدارة بوصلة الأحداث وتحريكها بالطريقة التي تتواءم والإستراتيجيات النظرية التي شكلها مشروع الشرق الأوسط الجديد، كما أن دول التحالف على أرض الواقع ستتمكن وبسهولة من التخلص من الجماعات التي لا تتوافق وسياساتهم بضربها بجماعات أخرى حتى لا تتكون من رحم الأحداث جماعة قوية تمثل خطراً ويكون بمقدورها تهديد أمنهم المستقبلي؛ ما يعني أن التحالف سيسقط التجربة السورية على اليمن لا محالة.
 
ولذلك أعتقد أن الدور الحقيقي بجب أن يلعبه الشعب، كل الشعب، فيستنهض قواه الخائرة ليتمكن من دحر كافة المشاريع المرتبطة بالخارج ويعيد تشكيل خارطته القيادية بما يتوافق مع المصلحة الوطنية الخالية من شوائب العمالة والإرتهان للخارج، وهذا لن يتم إلا أن نرفع جميعاً أكف الدعاء لنتضرع إلى الله أن يجمع شمل اليمنيين ويخرج اليمن من النفق المظلم الذي قُذف إليه  قسراً؛ رغم أنه كان تجاوز مراحل الخطر وبدأ أبناؤه رسم معالم دولتهم المدنية الحديثة.
الحوثي والمواطن في اليمن